آخر الأخبار

الوجهة المستقبل الجزء الخامس

في المنطقة العربية، يُعدّ الإنفاق على البحث والتطوير الأدنى في العالم إذ لا يتجاوز ١٪ من الناتج القومي لهذه الدول. لكن في السنوات الأخيرة، تنبهت بعض الدول لهذه المسألة وبدأت تحاول تغيير المسار. مثلاً، تخطط الإمارات لتكون أول دولة إسلامية ترسل مركبة إلى المريخ في ٢٠٢٠. أما السعودية فهي الأولى عربياً في نشر البحوث العلمية. وكل هذا يبشر بالوجهة نحو المستقبل.

عبدالرحمن الزرقان – نظام إلكتروني للري ومقاومة الصقيع - الأردن
الاستثمار في البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي لا يقل أهمية عن الاستثمار في التعليم الابتدائي والمتوسط. من هناك يبدأ النبوغ ويسهل احتضانه. لهذا نجد جهات في المنطقة العربية تطلق حاضنات للابتكارات ونوادٍ علمية للباحثين الشباب. 

عبدالرحمن الزرقان من الأردن لم يحظ بهذه الفرصة. لكنه كان نابغة في وقت مبكر من عمره. 
ولد عبدالرحمن الزرقان في سنة ١٩٩٠ في الطفيلة جنوب العاصمة الأردنية عمّان. وهنا، كما في معظم الدول العربية، كلما بعدت عن المركز زادت التحديات في التعليم والعمل. 
في سن مبكرة، تعلق عبدالرحمن وإخوته بالأرض والفلاحة. هم ثلاثة أخوة وأخت واحدة: عبدالرحمن ومحمد ونورالدين وصفاء. والدهم إمام مسجد ووالدتهم من أصل سوري مُدرّسة. 

لم يكن عبدالرحمن تجاوز الثانية عشرة من عمره عندما أدرك وأخوه قوّة الماء وضعفه في هذا الجزء من العالم.  فالأردن من أفقر ثلاث دول مائياً. مصادره هنا محدودة والسماء لم تعد تجود به كما كان. 
فكرا في مشروع تتخلص فكرته في أن يكون المزارع أذكى في استهلاك المياه القليلة. فإن توفرت لديه معطيات عن الرطوبة في التربة، استطاع تقدير وقت وكمية الري. وهذا لا شك سيوفر ماء كثيراً لن يضيع بالتبخر والتسرب.   
 في نفس الوقت، فكر عبدالرحمن وأخوه في استثمار هذه المعطيات في حماية المحاصيل والأشجار من الصقيع القاتل.

في عام ٢٠١٧، قالت الحكومة الأردنية إنها ستدفع حوالي مليوني دولار تعويضاً للمزارعين عن موجة الصقيع التي أتلفت المحاصيل في منطقة الأغوار ذلك العام. 
ما يحدث عندما يضرب الصقيع هو أن الماء أو العصارة التي بين خلايا النبات تتجمد عندما يبرد الجو أو التربة إلى الصفر أو ما دون. ومع التجمد يزيد الحجم، فتنفجر الخلايا. 
رش الماء يجعل البيئة المحيطة رطبة، فإن تجمد الماء المرشوش بثّ الحرارة، وهذه من المفارقات العلمية. والدفء هذا يحمي النبات. كما أن تشكل طبقة الجليد على الأوراق والأغصان  يعمل عازلاً للنبات عن حرارة المحيط شريطة أن يظل الجليد رطباً. فإن جفّ كان أخطر من الصقيع. لهذا مرشات الماء مهمة.  

بهذه الفكرة ذهب الشقيقان عبد الرحمن ومحمد إلى ملتقى إنتل العالمي في عام ٢٠٠٨. تم تسجيل براءة الاختراع مع الجمعية العلمية الملكية في الأردن. وأجريت محاكاة للنظام في مركز متخصص قريب من العاصمة عمّان. 
لا يزال المشروع ينتظر الولوج إلى مرحلة التصنيع والتنفيذ لأسباب تتعلق بتوزيع الأدوار بين المالك والمخترع. 
أدرجت قصة عبدالرحمن في كتاب اللغة الإنجليزية للصف السادس في الأردن، حيث درس هندسة الميكاترونيكس في جامعة الطفيلة. وظل هناك يطور مشاريع موجهة للشباب. 
 

دوسالف – إبراهيم بريغيث و زيد سند - فلسطين 
ولد إبراهيم البريغيث في الخليل جنوب الضفة الغربية فلسطين. أما زيد سند فهو من بيت لحم شمال الضفة. 
كلاهما التقيا في جامعة بوليتكنك الخليل. وتعاونا على صنع دوسالف DAWSALV . وهو اختصار جملة dismantling All Wheel Screws After Lifting the Vehicle. وهي تختزل المشروع: فكّ براغي العجلات بعد رفع المركبة! 

تبنت جامعة فيلادلفيا في الأردن كلاً من إبراهيم وزيد واختراعهما. إذ توفر الجامعة حاضنة للمشاريع الطلابية. 
بدأت الفكرة من إبراهيم. عندما كان في السادسة عشرة من عمره شدّه منظر في الشارع: كان رجل مسنّ يحاول أن يغير إطار سيارته وكان الإرهاق واضحاً. فماذا لو توفر لهذا العجوز جهاز إلكتروني يعينه على فك البراغي وتركيبها؟ 

طوّر إبراهيم الفكرة، لكن المشكلة كانت في الكهرباء. وجد ضالته في جامعة البوليتكنيك عندما سمع عن اجتهاد زيد في الميكانيك وتسخير الكهرباء. 
وهكذا كان دوسالف. أطلق الاختراع رسمياً في الشهر العاشر من ٢٠١٦. 
الخطوة التالية لـ إبراهيم وزيد هي الحصول على براءة اختراع دولية وتسويق الاختراع.

 

حياة عمري – العلم في خدمة البيئة – تونس
لا يزال الفرق شاسع بين نسبة النساء إلى الرجال في البحث العلمي.  بحسب تقرير اليونسكو ٢٠٣٠، أقرب النسب كانت في مصر. الباحثات شكلن ٤٣٪ من مجمل الباحثين. بغض النظر عن عدد الخريجات في المساقات العلمية مقارنة بالخريجين، تظل نسبة الإناث اللواتي يواصلن التعليم الجامعي إلى الماجستير والدكتوراة وما بعد ذلك، تظل قليلة. في تونس، امرأة حظيت بتجربة نادرة. من قرية صغيرة، تابعت دراستها الجامعية إلى ما أبعد من الدكتوراة. 
 لم تكن حياة قد تجاوزت سن ٣٥ سنة حتى كان في رصيدها شهادة دكتوراة في الهندسة التطبيقية وست براءات اختراع في سجلها؛ وانتخبت إلى مجلس النواب التونسي نائبة عن منطقتها في فترة بعد الثورة. ولا ترى تناقضاً في الجمع بين العلم والسياسة: كلاهما خدمة للإنسان. 

في كل شيء، حياة هي نتاج بيئتها. ولدت في هذا البيت من ناحية الرقاب في ضاحية سيدي بوزيد وسط تونس. وهي منطقة زراعية بامتياز تنتج حوالي ربع إنتاج تونس من الخضروات وعُشر الإنتاج من اللوز والزيتون. 
لكن بخلاف كثير من العوائل الريفية، كان والد حياة يولي التعليم عناية خاصة. فلسفته شكلت وعي الطفلة وأهلها لما سيأتي.
حصلت حياة على البكالوريا في عام ٢٠٠١. تفوقها أهلها لدخول المعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا في العاصمة تونس، على بعد ست ساعات بالسيارة من سيدي بوزيد. وكان هذا تحدياً مهماً في مسيرة حياة المهنية. فسيتعين عليها أن تعيش في العاصمة طوال السنوات الخمس المقبلة وأن تخضع لنظام أكاديمي صارم.

الجامعة كانت حاضنتها الأولى. هناك بدأت تجني ثمار تفوقها العلمي. حصلت على الدكتوراة في الهندسة، وسجلت ست براءات اختراع. أول اختراعاتها كان مشروعاً للتخرج.  اسمه تثمين التراب. يقضي هذا الاختراع بزيادة فاعلية التراب المصاحب لاستخراج الفوسفات إذ كان يعتبر فضلات يُتخلص منها. ويُترك ليتراكم على الأرض من دون فائدة. نقلت حياة التجربة من المختبر إلى الحقل. هذا الاختراع وفّر لإحدى الشركات المتخصصة فائضاً مقدراها خمسة ملايين دولار كانت تنفقها في استيراد المادة. 

تابعت حياة اختراعاتها في مجال (العلم الأخضر). ابتكرت طرقاً لتنقية الحامض الفسفوري من الشوائب الأمر الذي يخفف وطأة السماد الكيماوي على حجر الأرض وشجرها وبشرها.  
ظلت الدكتورة حياة في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا حيث نالت الماجستير والدكتوراة ودرّست أربع سنوات إلى أن قررت الترشح لمجلس الشعب.  
اليوم، تحمل الدكتورة حياة عمري عديد الألقاب وأكثر من ثلاثين جائزة دولية. من أبرزها الجائزة الكبرى للفدرالية الفرنسية للمخترعين في صالون الاختراع والابتكار في فرنسا. 
 

اعلان
قد يعجبك أيضًا
المحتويات ذات الصلة
Alaan loader image