آخر الأخبار

نار الفتنة | حطام مدينة

وكأن لها من اسمِها نصيب… الرمادي..

بالرغم من وجود المدنيين، لم تتراجع القوات الحكومية بمساندة من قوات الحشد الشعبي، عن قصف مصادر النيران في مدينة الرمادي بهدف التقدم واستعادة السيطرة عليها. وسط ذلك، جازف المدنيون في هذه الأحياء من الرمادي بالخروج في محاولة للهروب من موت محتم. تسرع العائلات الخطى لعلها تصل بر النجاة، لكن الرصاص سرعان ما يوقفها، وقد تخسر بعض أفرادها خلال العبور إلى بر النجاة. ووسط الصراخ تعلو الزغاريد المرافقة للتهليل بالرايات البيض؛ ليس فرحاً بل سبيلا للنجاة.

تواصل العائلات الهاربة من مناطق النزاع طريقَها، يتقدمُها الرجال.. عند وصولهم لمناطقِ سيطرة القوات الأمنية العراقية، يُطلب من الرجال الاعتراف إن كانوا من تنظيم داعش والمنضوين تحت لوائه. يسمح للنساء والأطفال بالمرور، ويتم عزل من يشتبه به من الرجال للتحقيق معه لاحقا..

من بين الهاربات من الرمادي، سيدة تقول إنها كانت محتجزة لدى تنظيم داعش بتهمة إيصال معلومات للقوات الأمنية العراقية. عشره أيام خضعت خلالها للتحقيق بسبب ذلك. ويحاول بعض الجنود إقناعها بإرشادهم لأفراد داعش، لكنها تنفي معرفتها بوجود أي منهم بين العائلات الهاربة.

بعد احتجاز المشتبه بهم والرجال ممن هربوا من داعش، تمر أيام عديدة وهم في ينتظرون في الاحتجاز وكثيرا ما يكون الانتظار في الحر والعراء .

 لا تكترث القوات الأمنية العراقية لعدد الأيام التي قد يقضيها هؤلاء الرجال بالانتظار. هم بالمئات، والتحقيق معهم قبل السماح لهم بالمرور إلى مخيمات النزوح، أمر ضروري. لا يبدو الأمر سهلاً بأي حال من الأحوال. فبعضهم أغمي عليه.

خيمُ نزوح تصل حتى الأفق. تجد العائلات الهاربة من الرمادي نفسها في أماكن وأوضاع غير مألوفة لها. ليست حياة المخيمات سهلة أبدا. وسائل الحياة الأساسية صعبة المنال، والرعاية الصحية شبه معدومة. أما الأطفال، فلم يعرفوا أبواب المدارس منذ احتل داعش الرمادي في الخامس عشر من أيار/ مايو عام 2015. تواصلت العلميات العسكرية لتحرير مدينة الرمادي خمسة أشهر. قام تنظيم داعش خلالها بتفخيخ المنازل والأحياء والمدارس والمؤسسات الحكومية فيها بهدف عرقلة تقدم الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي. ذلك أدى لتأخر عودة النازحين لمدينتهم بعد الإعلان عن تحريريها. كانت القوات الأمنية بحاجة لمزيد من الوقت لنزع ما أمكنها من الألغام وتنظيف الأحياء قدر الإمكان.

تقع مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، غربي محافظة بغداد، ويبلغ تعداد سكانها تسعمئة ألف نسمة وفق الإحصائيات الرسمية.

في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2014، شن داعش هجوما على الرمادي لاحتلالها. استمرت المعارك بينه وبين الجيش العراقي حتى 15 من أيار/ مايو عام 2015. يومها انسحب الجيش العراقي، وأعلن داعش سيطرته على المدينة.

لم يمر وقت طويل قبل أن تعلن الحكومة العراقية انطلاق عملية عسكرية لتحرير الرمادي. حصل ذلك في 30 تموز/ يوليو من العام نفسه. ونفذت العملية على ثلاثة مراحل بدعم من طيران قوات التحالف وإسناده. وفي 28 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه 2015، أعلنت الحكومة العراقية تحرير الرمادي بالكامل.

 

تجلى غبار المعارك عن دمار شامل لأكثر من نصف المدينة. أنقاض على أنقاض.. عشرون جسراً دمرها داعش. دُمرت أكبر محطتين لتحويل الكهرباء بالكامل . وكذلك معظم محطات تصفية المياه والشبكات الداخلية..اختلطت مياه الشفة بمياه المجاري، وباتت حياة مئات الألاف من سكان الرمادي مهددة بمخاطر بيئية وصحية.

مستشفى الرمادي العام أصبح خارج الخدمة إثر الدمار الكبير الذي لحق بطوابقه السفلى، وتحطم الطوابق العليا التي تحوي ثلاثة عشر غرفة عمليات لم تعد صالحة لأي شيء. المركز الوحيد لمعالجة مرضى السرطان في المدينة، أصبح حطاما..

أما المجمعات السكنية فنال معظمها الخراب والتدمير، وكذلك مباني جامعة الأنبار ومعظم الكليات العلمية والإنسانية، ومراكز البحوث والمختبرات العلمية. 190 مدرسة صارت إثرا بعد عين.. ذلك بعض مما أصاب الرمادي.

أردنا تقصي أحوال العائدين إلى مدينتهم.. توجه فريق قناة الآن في رحلة مع أبو آية، واحدٍ ممن نزحوا إبان احتلال داعش للمدينة. عمل طيلة فترة نزوحه مع فرق الإغاثة.. تحدث للفريق عن الطريق التي سيسلكه وحذّرَه مما سيشاهده من دمار.

فبعد أن قطع داعش أوصال الرمادي، أعادت القوات الأمنية إحياء أحد الجسور بمد جسر معدني متحرك على أحدها لتأمين حركة المرور من وإلى المدينة.

كثير من أهالي الرمادي لم يروا ما حل بمدينتهم إلا عبر وسائل الإعلام المرئية. منهم من عاد إلى منزله المدمر، ومنهم من يترقب إنهاء مأساة النزوح ليعود إلى حياته السابقة، يبنيها بعد أن حطمها داعش.

لا تتوقع أن ترى أحدا في حطام هذه المدينة. لكن بعض أهالي الرمادي آثروا العودة والعيش على أنقاض منازلهم التي كانت في يوم ما عامرة بأصوات أولادهم وحياتهم اليومية. أم نجم، قررت العودة إلى ما تبقى من منزلها المدمر. قد فقدت زوجَها في وقت سابق، لكنها لم تتوانَ عن العودة لغرفتين بقيَ سقفهما قائما وسط الدمار. وفيما تبحث عيناها الدمعتان عن أشلاء ذكريات خلفها دمار بيتها، تجول أم رحاب في أنقاض منزلها بحسرة وأسى.

تحاول العائلات العائدة للرمادي إصلاح ما أمكنها من منازلها المدمرة. لكن الأمر لا يتوقف على جدرات وأسقف فقط، بل على دمار شامل للبنية التحتية والصحية وحتى شلل في الإمكانيات الاقتصادية لهذه العائلات بعد مصابها. فالرمادي تحتاج لإحيائها خطة حكومية شاملة.

بعد مرور أشهر من تحرير المدينة، بدأت أعداد النازحين الراغبين بالعودة بالتزايد. يجري عند هذه النقطة التأكد من الوضع الأمني لكل نازح عائد. فلا بد من تدقيق الأوراق الثبوتية للجميع.أمام أعداد العائدين الكبيرة إلى الرمادي، بدأت مظاهر السلطة العراقية تعود إليها. إذ بدأ رجال الأمن اتخاذ نقاط أمنية في شوارعها. بعد استعادتها من احتلال داعش، بدأت الحياة تنبض شيئا فشيئا في أسواق الرمادي ومحالها وأحيائها. تضح شوارعها بأصوات الباعة ومطارق عمال البناء، وتتنتشر فيها لافتات الأطباء معلنين عودتهم لممارسة مهامهم. ومن بين حطامها، تعلن الرمادي أنها بالرغم من كل شيء انتصرت وستنهض من جديد.

اعلان
المحتويات ذات الصلة
Alaan loader image