آخر الأخبار

حفرة الموت

وثائقي حفرة الموت

الثالث من آب/ أغسطس عام 2014 كان يوما أسودا لن تنساه مدينة سنجار العراقية. سجل التاريخ يومها سيطرة مسلحي داعش على  سنجار ومعظم القرى المحيطة بها. فاعتدوا على السكان العزل، آسرين أكثر من خمسة الاف من الأطفال والنساء والفتيات، فيما أخذوا ثلاثة الاف رجل، وهؤلاء لا يعرف عن مصيرهم شيئا حتى الآن. 

وجدت في سنجار عشرات القبور الجماعية، ولا يزال داعش يحتفظ بأعداد كبيرة من أسرى المنطقة. بعض الناجين من حفلات الإعدام العشوائي علي يد تنظيم داعش، يعيشون مع كوابيس تأتيهم ليل نهار. 

هذا هو إدريس... العراقي الذي كتبت له الحياة مرة ثانية بعد أن نجا من حفلة إعدام جماعي ارتكبها داعش بحق رجال إيزيديين في سنجار. تساقطت الأجساد جثثا فوق بعضها حينها. سقط إدريس مصاباً بطلقات نارية لم تصب مقتلاً. غطته جثث رفاقه الضحايا. كتم أنفاسه حتى خيّم الليل. وحين خرج من حفرة الموت التي ألقي فيها، لم يعثر على زوجته وأطفاله الستة. كان الجميع مع آخرين من سنجار في طريقهم إلى مدينة الرقة السورية حيث سيعيشون رعبا آخر، أسرى لداعش. 

ربما أمِل أهل سنجار بأن يلتزم مسلحو داعش بكلمتهم ويتركوا الأهالي في حالهم بعد الاستيلاء على الأموال والحلي والذهب. لمحة أمل لم تستمر طويلا، إذ ما أن استلم المسلحون الأموال والذهب والحلي، حتى أجبروا الذكور من عمر أحد عشر سنة على الصعود في شاحنات نقلتهم إلى أماكن ثلاثة حول البلدة. أحد هذه الأماكن كان بالقرب من بئر عميقة. اتضحت الصورة للرجال الأسرى.. فقد صعدوا في شاحنة اللاعودة إلى الحياة. 

أزّ الرصاص.. تعالت الصرخات قليلا وخفتت سريعا.. وخيّم الصمت إلا من أصوات مسلحي داعش يهزجون ويكبرون، فيما تخضبت الأرض باللون الأحمر. 

هدرت طائرات في السماء فتغاضى مسلحو داعش عن استكمال القضاء على المصابين في حفلة الإعدام الجماعي وفروا هاربين. كان إدريس يسمع أصوات الجرحى ممن نجوا من الموت تتعالى طلبا للمساعدة. بالرغم من جراحه النازفة، ناضل إدريس للحفاظ على حياته. حثّ رفاقه على تركه والنجاة بحياتهم، فحركته البطيئة بسبب إصابته البليغة ستعرقل تقدمهم نحو أمل جديد بالنجاة. بقي وحده، ولوحده زحف باتجاه قرية عربية متحاشيا رفع رأسه لئلا يصطاده أحد القناصة.

وهناك تكفله أهل القرية وداووا جراحه بالرغم من مخاوفهم من أن يتم اكتشافهم من قبل داعش. 

وضع إدريس نصب عينيه إنقاذ عائلته من براثن داعش. بقي إدريس مختبئا هناك  أشهرا طويلة، كانت هي رحلة علاجه أيضا. طالت لحيته فصار البعض يظنه من تنظيم داعش ما وفر له نوعا من الأمان في التنقل حينها. وما أن شفيت جراحه الجسدية حتى قرر العودة لدياره للبدء برحلة البحث عن عائلته وأقاربه. يحاول في رحلته هذه الاندماج مع الواقع المرير الذي حلّ بهم، وتقبل ما حدث لعائلته وأقاربه من قتل وتشريد. وصارت حياته بعد النجاة من حفرة الموت، إنقاذ من يستطيع من الأسرى لدى داعش. 

إدريس الآن في طريقه للمكان المخصص لمساعدة العائلات المنكوبة والناجية من بطش تنظيم داعش. هنا تجتمع العائلات لاستلام المساعدات الإنسانية والمادية. وإدريس يهتم بالتواجد في كل النشاطات التي تساهم في مساعدة الإيزيديين. وهنا، في الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي مدينة دهوك، ينتظر الرجال والنساء دورهم في استلام مخصصاتهم من المساعدات.

لا يمكن للكلمات وصف ما يظهر على وجوههم من أسى، ولا ما تحمله قلوبهم وأرواحهم من هموم وآلام.

فمنهم من خسر الأب والزوج والأم والأبناء وربما كل العائلة والأقارب. 

الاطفال المجندون.. هذا ما يطلق على الاطفال الذين يتم أسرهم  كغنائم حرب، ليحولهم تنظيم داعش الى جنود يحاربون بهم، ويحولونهم من أطفال أبرياء الى آلات للقتل ووحوش بشرية. يدخل داعش الأطفال الأسرى  في معسكرات للتدريب  على القتال وحمل السلاح. فيتعلم الأطفال طرق القتال والذبح.

أبناء إدريس الصغار الستة، أدخلوا في هذه المعسكرات بمدينة الرقة السورية. صب إدريس كل جهده على محاولة تحرير أطفاله. لم يترك سبيلا إلا وقصده، وبمساعدة أحد الأشخاص استطاع إدريس تحرير أبنائه من معسكرات داعش. 

هدا معبد لالش، المكان الاكثر قدسية لدى الايزيدين في كل بقاع العالم. إليه يتوجهون كل عام لممارسة طقوسهم وأخذ البركة.

هذه السنة تحمل مرارة السبي والقتل والتهجير.  جاءت النسوة الايزيديات ممن كن سبايا عند داعش لتودعن عائلاتهن قبل السير في رحلة طويلة من الغربة بعيدا عن هواء العراق وتراب قراهن. حافيات الاقدام، تتوجه الايزيديات الى معبد لالش. طقس يودعن به مدنهن وما تبقى من عائلاتهن. فالفراق قد يطول، ولا أحد يعرف من أين سيمر طريق السلام.

فطريق الحرب والقتل والسبي مرت من هنا وخلفت قلوبا مفجوعة وأوراحا منكسرة.. ترحل النسوة بعيدا، لعل الوقت في الغربة يعالج أرواحا  كسرتها داعش. ينتظر إدريس ورجال إيزيديون الحافلات التي ستنقل أحبتهم للمطار ومن هناك يتوجهن لأوطان بديلة على أمل أن توفر لهن الأمان ومستقبلا جديدا لا خوف فيه من مثل ما جرى.

هنا تجتمع بعض العائلات للحديث عن أحوال العراقيين الايزيدين وما حصل لهم على يد داعش. خسرت هذه العائلات أغلى ما لديهم. خسروا أحبتهم. 

قبل سفرهن، تقوم النساء الإزيديات بهذا الطقس الأخير مشيا حافيات الأقدام إلـيىمعبد لاليش للحصول على المباركة.

قبيل بدء الرحلة إلى ألمانيا، يستمع الجميع لوصايا باب شيخ، المرجع الروحي الأعلى لعموم الإيزيديين في العالم. غصات القلب تسود الموقف.. لحظات الوداع هي لحظات فراق في الحقيقة. خوف من البقاء وخوف من مستقبل مجهول في بلد غريب اللغة وغريب الثقافة. لكن الرحلة تبدأ.. لعل السلام يعود لهذه الأرواح فتعود يوما لتداوي آثار الجراح التي بقيت. 

اعلان
قد يعجبك أيضًا
المحتويات ذات الصلة
Alaan loader image