آخر الأخبار

 مارتين - نار الفتنة

نار الفتنة 4-4-2019

أمطارُ شهر ديسمبر  في مدينة دهوك العراقية تكاد لا تتوقف/ خلال زيارتِنا المدينة/ لنلتقي الطفلةَ مارتين. حكايتُها واحدةٌ من ألف حكاية، بل آلافِ الحكايات التي تُروى عما حصل لمن بطش بهم داعش بطرقٍ مختلفة. لجأ الى هذه المدينة في أقصى شمال العراق، أكثرُ من 600 ألف عراقي منذ هجوم داعش على العراق صيف عام 2014.  وفي حين عاد حوالى 200 ألف بعد دحر داعش من مناطقهم، بقي العددُ الأكبرُ منهم في دهوك، يتخذونها ملاذا آمنا لهم حتى تستقرَ مناطقهم.

تنضم إلينا في هذه الرحلة الناشطةُ العراقية  الايزيدية ليلى سيدو، التي نجت من قبضةِ تنظيم داعش، صيف عام 2014. مع الهاربين، توجهت ليلى الى جبل سنجار وقضت تسعةَ أيامٍ من الجوع والعطش  على قمة الجبل، وسط محاصرة داعش لهم، قبل أن تصل إلى سوريا ومنها تعود الى كردستان العراق، لتبدأ بتوثيق قضايا العائدين من الأسر، أو الذين ما زالوا مجهولي المصير حتى الآن. وثقت ليلى عشراتِ القصص لأسيراتٍ عراقيات تحررن من قبضة داعش. وهي ترافق قناةَ الان في رحلتها للبحث عن حكايا الناجيات الايزيديات من سبي داعش.

مجمع شاريا.. كان حيا صغيرا منسيا على أطراف مدينةِ دهوك، ثم دخل التاريخ. تزوره المنظماتُ الدولية ووسائلُ الإعلام وعدساتُها .. فمع نزوحِ العراقيين الأيزيديينَ هربا من داعش، تحوّل مع المخيم الذي أُلحق به إلى موطنِ أكثر من 30 الفا منهم. في هذه الأجواء الماطرةِ الباردة، انتظرت مارتين أمام باب المنزل، كاميرا قناة الآن قرابةَ ساعتين أو أكثر، كما قال والدُها. اثنتا عشرة ربيعا، قضت منها أربعةً، سبية عند داعش قبل أن تُحرر. يتلاشى هنا أيُ سؤال عما يدفعُ طفلةً لتحملِ البردِ القارس. تريد أن يعرف العالمُ قصتَها. عادت مارتين من أسر داعش قبل اربعة اشهرٍ فقط. وهي الوحيدةُ التي عادت حتى الان من بين 27 فردا من عائلة خديدا مصطو  أسرهم داعش حين دخل مناطق سنجار صيف عام 2014. يومها فضل والدُ مارتين أن يهربَ مع ولدِه الكبير نامق مشيا على الاقدام باتجاه جبل سنجار، تاركا لبقية أفراد العائلة فرصةَ الهروب بالسيارات القليلةِ المتوفرة بالمنطقة. لكن الغريب أنه نجا من قبضة داعش، في حين وقعت الأسرةُ بكاملِها في الأسر.

غابت عنه ابنتُه طفلةً مدة أربعِ سنوات. عندما أرسلوا له صورتَها للتعرف عليها بعد تحريرها من السبي، لم يكن متأكدا إن كانت العينان اللتان تنظرا إليه من خلال الخمار في الصورة لابنته أم لا. تردد.. اسمُها الكامل كان وسيلةً التأكد، قبل أن يضُمَها لحضنهِ ويتعرفَ على رائحتِها. قرابة عامين، عاشت مارتين طفلةً سبية لم تتخط تسعَ سنواتٍ من العمر في منزل الداعشي أبو حسن وعائلتِه. رأت كل ما لا يجب أن تراهُ طفلة في عمرها. وتعرضت للإذلال والضرب وسوء المعاملةِ والاستعباد. لم يكن سهلا على مارتين أن تستعيدَ تلك الذكريات. ولأنها كانت قد خططت مع والدها لزيارة معبد لالش ظهيرة هذا اليوم، ارتأينا أن ترافقَها كاميرا قناة الآن، بالرغم من سوء الأحوالِ الجوية. انطلقت بنا السيارة إلى معبد لالش  في أحضان منطقة عين سفني شمالَ العراق. وفيما كان صوت المطر يعزف لحناً شجيا، يغلفُه البردُ القارس، التزمت مارتين الصمت.  

لكل لحنِ إيزيديٍ حزين يشيعُه المطر، قصة. بعض القصصِ تروى، وبعضُها يبقى هناك في ثنايا الروح، يبدو البوحُ به كسحبِ خنجرٍ غائرٍ بها. يغسل المطرُ الطرقاتِ والجدران َوالوجوه هنا في هذا المكان التاريخي. وهنا غسلت كثيرٌ من الأحاديث نفوسَ الأسيراتِ العائدات، اللواتي لجأن إلى معبد لالش ليروين حديثاً صامتاً، لا يُسمع. ع خسارة داعش لكل المدن التي كان يحتلُها في العراق صيف عام 2017، ثم خسارتِه لمعظم مناطقِ نفوذه في سوريا ربيع عام 2018، انتقلت مارتين مع عائلةٍ داعشية إلى مخيم الهول في مدينة الحسكة السورية الذي كان يخضع لسيطرةِ القوات الكردية. هناك تسلمتها إدارةُ المخيم وأمّنت عودتَها الى العراق، لتلتقي أخيرا بوالدها وما تبقى من أقاربها، وتتنسم هواءَ الحرية بعد أربعٍ سنوات في براثن داعش.

 

اعلان
قد يعجبك أيضًا
المحتويات ذات الصلة
Alaan loader image